محمد جواد مغنية

510

في ظلال نهج البلاغة

بمجامع قلبك ، ودفع بك إلى الاعتصام بخالقك ، والعمل لآخرتك ( وإياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها إلخ ) . . ما لك وللدنيا وأبنائها . انها جيفة وأهلها كلاب ( فقد أنبأك اللَّه عنها ) بقوله : * ( « إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه ُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ِ نَباتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ) * - 24 يونس » . ( ونعت لك نفسها ، وتكشفت لك عن مساويها ) بموت السابقين من أهلها بلا رجعة ، وأنت حلقة من هذه السلسلة ، وكذلك من يأتي بعدك حتى النهاية ، وما إلى الفرار من سبيل . وقال الإمام لمن ذم الدنيا : متى غرتك أبمصارع آبائك من البلى ، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى . ( وانما أهلها كلاب عاوية إلخ ) . . وهنا مكان العجب ، الموت يتخطف أهل الدنيا من كل جانب ، وهم على يقين بأنهم ميتون لا محالة ، ومع هذا نراهم في تناحر وصراع دائم على الحطام والحرام . الإمام يقسم الناس إلى قوي وضعيف : ( ويأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها ) . كل الأقوياء جبارون مستغلون ، لا يعرفون الحب والخير والعدل ، ولا يقرون بشيء من الحق إلا من شذ . . وما الضعيف عندهم إلا حشرة أو بعوضة . . ولا علاج لهذا الداء إلا بأحد فرضين : الأول المساواة بين جميع الناس ذكورا وإناثا ورجالا وأطفالا ، وتكافؤهم في كل شيء حتى في قوة العضلات . . وهذا ممتنع وتأباه سنن الكون والطبيعة . الثاني : القوة الرادعة العادلة ، وهذا ممكن ومعقول . . ولكن مركز القيادة - في الغالب - يحتكره أرباب القوة والثروة قديما وحديثا من العرف القبلي إلى النظام الجمهوري ، وهنا يكمن السر في تقسيم المجتمعات إلى فئة عليا تملك كل شيء ، وفئة مضطهدة ليس لها من الأمر شيء . . والى هذا التقسيم أشار الإمام بقوله : « يأكل عزيزها ذليلها : ويقهر كبيرها صغيرها » . ومثله ما جاء في الخطبة 127 : « اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلا فقيرا يكابد فقرا ، أو غنيا بدل نعمة اللَّه كفرا » .